د. محمد أبو أحمد يكتب.. ما وراء الأنا: حكاية قلبٍ نسيَ نفسه

الجمعة 13 فبراير 2026 -11:41
خاص الرأي
أخبار متعلقة
لمدة ست سنوات — من عام 1915 إلى عام 1921 — تظاهرت آنا نوفاك، ذات الثلاثة عشر عامًا، بأن والدتها ما تزال على قيد الحياة.

▪︎ كانت والدتها ماري قد توفيت بمرض السـل في مارس 1915، وبعدها بأسبوعين تو.في والدها جوزيف بسبب الإنفلـ.ونزا.

▪︎ وبقيت آنا وحدها مع أربعة إخوة أصغر منها — أعمارهم ثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة أعوام — بلا مال، وبلا أقارب يستطيعون رعايتهم، ومع معرفةٍ قاسية: أنه إذا علم أحد أن الوالدين قد ماتا، فسيتم فصل الأطفال وإرسالهم إلى دور أيتام مختلفة، ولن ترى إخوتها مجددًا.

▪︎ فاتخذت آنا قرارًا. لن تخبر أحدًا أن والديها قد ماتا. ستدير المنزل بنفسها. ستربي إخوتها. ستبقي العائلة معًا مهما كان الثمن.

▪︎ دفنت آنا والديها في الفناء الخلفي للمنزل ليلًا. حفرت القبرين بنفسها، لساعات في الظلام، ودفنتهما جنبًا إلى جنب في قبرين بلا شاهد، لأنها لم تكن تملك المال لجنازة لائقة، ولأن الإبلاغ عن الوفاة يعني اكتشاف أن أربعة أطفال يعيشون وحدهم. زرعت فوق القبرين أزهارًا.

▪︎ أخبرت إخوتها أن الأم والأب «ذهبا للعمل» وسيعودان قريبًا. الطفل الأصغر، فرانكي ذو الثلاثة أعوام، صدّق ذلك تمامًا. أما الأكبر سنًا فشعروا أن هناك خطبًا ما، لكنهم لم يسألوا، لأن آنا طلبت منهم ألا يفعلوا.

▪︎ أدارت آنا المنزل كما كانت أمها تفعل. طبخت، نظفت، غسلت الملابس، واعتنت بالحديقة التي كانت مصدر معظم طعامهم. ألحقت إخوتها بالمدرسة، وأخبرت المعلمين أن الأم مريضة في المنزل ولا تستطيع الحضور.

▪︎ دفعت الإيجار من مدخرات والدها — مبلغًا ضئيلًا بالكاد يكفي عامًا واحدًا — وعندما نفد المال، حصلت على عمل في مصنع نسيج، تعمل في نوبات ليلية لتكون في المنزل نهارًا لرعاية إخوتها.

▪︎ أخبرت مشرف المصنع أنها في السادسة عشرة (كانت في الثالثة عشرة)، وأنها تحتاج للعمل ليلًا لأنها تعتني بوالدتها المريضة نهارًا.

▪︎ واستمر الخداع ست سنوات. عندما طلب المعلمون مقابلة والديها، قالت إنهما مريضان جدًا. عندما سأل الجيران عنهما، قالت إن حالتهما تتحسن.

▪︎ عندما جاء مالك المنزل لتحصيل الإيجار، قالت إن الأم نائمة والأب في العمل. لم يشك أحد، لأنها كانت مقنعة، لأنها تعلمت تقليد توقيع والدتها على الأوراق المدرسية وإيصالات الإيجار. لأنها أدارت المنزل بكفاءة جعلت الجميع يظنون أن كل شيء طبيعي.

▪︎ كبر إخوتها خلال تلك السنوات — فرانكي من ثلاث إلى تسع، والآخرون من خمس إلى خمس عشرة، ومن سبع إلى ثلاث عشرة، ومن تسع إلى خمس عشرة.

▪︎ وأدرك الأكبر سنًا في النهاية أن الوالدين لن يعودا أبدًا، وأن «العمل» لم يكن سوى قصة. ▪︎ لكنهم لم يضغطوا عليها بالحقيقة، لأنهم فهموا — في أعماقهم — أنها كانت تحميهم، وأن الحقيقة قد تعني فقدان بعضهم البعض. انتهى الأمر عام 1921.

▪︎ كانت آنا في التاسعة عشرة عندما سرّح المصنع العمال، وفقدت عملها ولم تستطع دفع الإيجار. جاء المالك لطردهم، وأصرّ على مقابلة الوالدين.

▪︎ عندها فقط اعترفت بالحقيقة. ▪︎ أخبرته أن الوالدين ماتا منذ ست سنوات، وأنها كانت تدير المنزل وحدها، وأن إخوتها لا يعلمون، وأنها كذبت على الجميع لتبقي العائلة متماسكة.

▪︎ ذهل المالك وأبلغ السلطات. جاءت الخدمات الاجتماعية، واكتشفت أن أربعة أطفال — أعمارهم الآن تسعة وأحد عشر وثلاثة عشر وخمسة عشر عامًا — عاشوا ست سنوات مع أختهم المراهقة بلا وصي قانوني.

▪︎ قررت السلطات فصلهم، وفق الإجراءات المعتادة. لكن القصة تسربت إلى الصحف المحلية. وغضب المجتمع. كيف يمكن أن تُفصل عائلة أبقتها طفلة في الثالثة عشرة متماسكة طوال ست سنوات؟

▪︎ انهالت التبرعات. مال لتسديد الإيجار المتأخر. مال لدعم الأسرة. مال لمساعدة آنا في رعاية إخوتها. وتراجعت السلطات. سُمح لآنا بأن تصبح الوصية القانونية على إخوتها بدعم من جمعية خيرية محلية.

▪︎ ربّت آنا إخوتها الأربعة حتى أصبحوا بالغين. تخرج الأربعة من المدرسة الثانوية. اثنان منهم التحقا بالجامعة. وظلوا جميعًا قريبين منها طوال حياتهم.

▪︎ آنا لم تتزوج قط. لم يكن لديها وقت. قضت شبابها كله في تربية إخوتها. عملت خياطة حتى تقاعدها عام 1963. ▪︎ توفيت عام 1979 عن سبعة وسبعين عامًا، وكان إخوتها الأربعة إلى جانب سريرها عند وفاتها. وفي جنازتها، قال فرانكي — أصغرهم، وكان في الثالثة والسبعين آنذاك:

▪︎ «كانت آنا في الثالثة عشرة عندما مات والدانا. دفنتهما ليلًا في الفناء. أخبرتنا أنهما ذهبا للعمل. كذبت على المعلمين والمالك والجيران ست سنوات. ▪︎ عملت ليلًا في المصنع لتدفع الإيجار. أبقتنا معًا حين كان القانون سيفصلنا. كانت في الثالثة عشرة وقررت أن عائلتها لن تتفكك.

▪︎ أنا الآن في الثالثة والسبعين. لدي أبناء وأحفاد. نحن جميعًا هنا لأن آنا أبقت العائلة معًا وهي في الثالثة عشرة. كذبت ست سنوات. عملت ست سنوات. ضحت بكل شيء ست سنوات.

▪︎ كانت في الثالثة عشرة. هذا هو شكل الحب عندما يكون عمره ثلاثة عشر عامًا… ويرفض أن يترك من يحب.» 


نرشح لك

  • تقارير مصوره

    • شاهد.. هل يحق للمساهمين مقاضاة الشركة لاسترداد أموالهم ؟
    • الصين الشريك التجاري الأكبر للاتحاد الأوروبي والهند في العام الماضي
    • ما هي الانعكاسات الجديدة لتولي "بايدن" وكيف تأثر الاقتصاد الأميركي في عهد الرؤساء السابقين؟
    • شاهد| العضو المنتدب لـ"الشرقيون" للتنمية الصناعية: المرحلة الأولى من المطور تنتهي خلال عام ونصف
    • شاهد| العضو المنتدب لشركة الشرقيون للتنمية الصناعية يكشف تفاصيل المرحلة الأولى للمنطقة الصناعية

    تعليقات القراء

    أضف تعليق
    الأسم
    البريد الألكنرونى
    التعليق

    تعليقات الفيس بوك

    أحدث الاخبـــار

    الأكثر قراءة

    مقالات متنوعة

    د. محمد أبو أحمد

    11:33 - 2025/12/17

    Dr.Mohamed Abo Ahmed

    10:10 - 2025/11/18

    د. رحاب فارس

    12:08 - 2023/10/06

    د.محمد الشوربجي خبير اقتصادي ومصرفى

    01:47 - 2023/9/18

    د/ جميل محمد

    04:43 - 2021/2/25

    ياسر السجان

    11:09 - 2020/12/28

    د/ وائل النحاس

    11:14 - 2020/8/13
    جميع الحقوق محفوظة لموقع الرأى الإقتصادى 2015