الكاتب الصحفي محمد أبو أحمد يكتب: تأملات وجودية داخل النفس
الخميس 02 يوليو 2026 -04:11
في خضم المعارك المعرفية داخل النفس البشرية ، تدور الكثير من الاسئلة الوجودية دخلنا ، لعل من أبرزها : لماذا يبيع الإنسان شخصيته ليعجب المجتمع؟ ..

ليس السؤال الحقيقي لماذا نريد أن نعجب الاخرين؟ بل لماذا نخاف أن نكون أنفسنا دون موافقتهم؟

في عمق هذا السؤال، يضعنا ايريك فروم وهو أحد أبرز علماء النفس وفيلسوف ألماني شهير ، أمام أحد أكثر تناقضات الانسان الحديث.
فنحن نعيش في عالم يعِدنا بالحرية، لكنه في الوقت نفسه يدفعنا الى اعادة تشكيل ذواتنا كي نقبل داخله. من الذات الى النسخة الاجتماعية في المجتمعات الحديثة، لا يطلب من الانسان أن يكون صادقا بقدر ما يطلب منه أن يكون مناسبا  في كلامه، في مظهره، في ارائه، وحتى في انفعالاته.

هنا تبدأ عملية دقيقة لا يختفي الانسان، لكنه يعاد تشكيله. يصبح هناك فرق خفي بين أنا كما أشعر وأنا كما يجب أن أبدو هذه الفجوة هي بداية ما يسميه فروم الاغتراب عن الذات.

الخوف من الحرية في كتابه الخوف من الحرية، يشرح فروم أن الانسان لا يهرب فقط من القمع، بل أحيانا يهرب من الحرية نفسها. فالحرية تعني أن أكون مسؤولا عن اختياراتي، وأن أتحمل وحدي نتيجة أن أكون مختلفا.

وهذا يخلق قلقا داخليا صامتا، يجعل الكثيرين يفضلون الحل الأسهل أن يذوبوا داخل النموذج الاجتماعي الجاهز بدل أن يواجهوا خطر الاختلاف. . المجتمع كمراة مشروطة المجتمع لا يطلب منك أن تكون صادقا، بل أن تكون مقبولا وهكذا تتحول العلاقات الى مراة مشروطة اذا تشبهت بهم، يصفق لك، واذا اختلفت، يتم تهميشك بصمت.

مع الوقت، يتعلم الانسان درسا خطيرا أن البقاء ليس للأصدق، بل للأكثر قابلية للتكيّف. الانسان كسلعة في تحليله للرأسمالية الحديثة، يشرح فروم كيف يتحول الانسان الى ما يسميه التوجه التسويقي أي أن الفرد لم يعد يقيم بما هو عليه في داخله، بل بقدرته على تقديم نفسه كمنتج اجتماعي كيف تتكلم؟ كيف تظهر نفسك؟ كيف تعجب الااخرين؟ ..

هكذا تصبح الشخصية نفسها شيئا يعرض، يعدل، ويحسّن باستمرار. وفي هذه اللحظة، لا يعود السؤال من أنا؟ بل: كيف أبدو كي أُباع جيدا في سوق العلاقات؟ .

وقد يكون ثمن القبول هو فقدان الذات، حيث ان الثمن الذي يدفعه الانسان مقابل القبول الاجتماعي ليس بسيطا، انه لا يفقد رأيا أو سلوكا، بل يفقد شيئا أعمق بل صدقه الداخلي.

 فيبدأ الإنسان في قول ما لا يشعر به، ويشعر بما لا يفهمه، ويعيش حياة تبدو ناجحة من الخارج لكنها منفصلة عن الداخل.

وهكذا يحدث الانقسام بين ذات تعيش في الداخل، وذات تعرض في الخارج، ويلية من يريدك أم من يحتاج صورتك؟..

السؤال الذي يتركه "فروم" ليس اتهاما للمجتمع، بل دعوة للوعي هل تعيش لتكون مقبولا؟ أم لتكون حقيقيا حتى لو لم تقبل؟.

فالقبول الاجتماعي قد يمنحك مكانا بين الاخرين، لكن الحقيقة وحدها تمنحك مكانا داخل نفسك.،وفي النهاية، لا يضيع الانسان حين يرفض، بل حين يقبل ما يقتنع به على حساب نفسه.

تعليقات القراء

أضف تعليق
الأسم
البريد الألكنرونى
التعليق

تعليقات الفيس بوك

أحدث الاخبـــار

الأكثر قراءة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الرأى الإقتصادى 2015