الكاتب الصحفي د. محمد أبو أحمد يكتب .. "ليلة استيقظت فيها الخيانه"
- خاص
- السبت 05 أبريل 2025 -01:29
حدث في معركة التل الكبير 13 سبتمبر 1882 ..
يذخر التاريخ المصري بالأحداث المهمة والنضال وبالبطولات التي قدمها أبناء هذا الوطن الشامخ، إلا أننا لا يمكن أن ننسي البعض من خونة الأوطان، الذين خانوا وتعاونوا مع أعدائه وساهموا في احتلاله..
ففى يوم 13 سبتمبر عام 1882 كان آلاف المصريين من البسطاء والفلاحين قد تجمعوا في صحراء التل الكبير يحفرون الخنادق، ويقيمون المتاريس والاستحكامات من الطين والرمل تحت اشراف مهندس مصري عبقري من رجال القائد أحمد عرابي وهو محمود باشا فهمي.
ولم يكن هؤلاء الفلاحون يقرأون أو يكتبون، ولكنهم كانوا يحسون بالموقف ويدافعون عن وطنهم ، فالانجليز قد نزلوا بر مصر بجنودهم، بهدف القضاء علي ثورة عرابي، وهؤلاء العرابيون المصريون فلاحون مثلهم، يقفون في وجه الخطر دفاعا عن وطنهم، وقد فاجأتهم الحرب، ونزول الانجليز في الاسكندرية، ثم في السويس، والخزانة العامة للدولة خاوية، وليس في البلد جيش منظم أو ذخيرة أو طعام، حتي الملابس التي يرتديها الجنود كانت غير متوافرة.
أخذ كل مواطن يستغني عن شيء يملكه، فانهالت علي الجيش الاقمشة والمواشي والحبوب، الأغنياء والفقراء يجودون بما عندهم، والمشايخ في المساجد يدعون الله ويرفعون الابتهالات، والنسوة، في المنازل يجهزن الاقمشة ويكلن الحبوب، والفلاحون القادرون يتطوعون للقتال، قتال لا يعرفون من فنه شيئا، أو للمشاركة في حفر الخنادق، وإقامة الاستحكامات، من الطين والرمل تحت اشراف محمود فهمي باشا.
وجاء عرابي مسرعاً من كفر الدوار واستدعي جميع الفرق العسكرية المتفرقة هنا وهناك. وتمكن من تأمين استحكاماته .
كان الإنجليز يخشون من مقاومة الجيش المصري الذي تم تكوينه بواسطة أحمد عرابي وزملائه من الظباط المصريون، ولذا سعوا إلى إيجاد وسيلة تجنبهم الخسائر التي يمكن أن تلحق بهم ..
بحث الانجليز ، فلم يجدوا إلا "محمد سلطان باشا" الذى وضع خطة محكمة للقضاء على جيش عرابي، وكانت وسيلته .. "الرشوة".
كان أول ما فعله هذا الخائن الكبير، أن جَنَّدَ "سعود الطحاوي" وهو شيخ من شيوخ العرب، وصديق حميم لأحمد عرابي ومن بلدياته.
وكان عرابي يثق فيه ثقة عمياء، ويسهر معه كل ليلة فيعرف الطحاوي أخباره ونواياه ثم ينقلها إلى "سلطان باشا" الذي ينقلها بدوره إلى الإنجليز.
لم يكتف "سلطان باشا" بذلك بل قام بتجنيد كبار القادة في الجيش لصالح الإنجليز. فقد جَنَّدَ "أحمد عبد الغفار" قائد سلاح الفرسان، ونائبه "عبد الرحمن حسن" .
والقائم مقام "علي خنفس" قائد سلاح المشاة. واستطاع كلٌ منهم أن يشتري عددا من الضباط المرؤوسين، بعد أن وعد الإنجليز هؤلاء القادة الخونة بأنهم سوف يقبضون عشرة آلاف جنيه ذهب، ومنحوا كلا منهم ألف جنيه مقدما.
أما أحمد عبد الغفار ونائبه فقد تقاعسَا عن حراسة جيش عرابي المرابض في التل الكبير، وسَهَّلوا للإنجليز المرور بدون أية مقاومة .
أما خنفس باشا هو لقب عرف به الضابط على يوسف، أميرالاي الثالث "بيارة" الذي كلفه عرابي بموافاته بالأخبار يوما بيوم عن تحركات الإنجليز فلم يصدق معه، فقد أرسل على يوسف من مقدمة الجيش إلى «عرابي» يبلغه بأن الإنجليز لن يتحركوا في ذلك اليوم، وهذا ما أكده الطحاوي الذى زار عرابى فى خيمته واقسم له أن الإنجليز لن يهجموا قبل أسبوع ليتسلل خارجاً إلى صفوف الإنجليز ليتقدم صفوفهم ليرشدهم إلى الطريق.
تأهب القائد الإنجليزي في مساء اليوم ذاته للزحف في هدوء تام بعد منتصف الليل، فانسحب عبدالرحمن حسن، قائد فرقة الاستطلاع السواري الذي كان يحرس الطريق الصحراوي من الشرق، انسحب شمالًا ليخلي الطريق لمرور الإنجليز، أما على يوسف (خنفس باشا) فلم يكتفِ بترك الجيش الإنجليزي يمر بجوار قواته، بل وضع له الفوانيس على المسالك التي يمكن السير فيها بسهولة.
وعندما اقتربت الساعة من الرابعة والدقيقة الخامسة والاربعون اعطيت اشارة الهجوم وانطلق ستون مدفعا وأحد عشر الف بندقية، وألفان من الحراب، تقذف الجند النائمين، الذين قاموا علي صرخة واحدة، والذين وقعوا ضحية للخيانة ... كان عرابي يصلي الفجر علي ربوة قريبة حين باغته الهجوم وسقطت قذيفة مباشرة علي خيمته، فتركها طعمة للنيران، واسرع وامتطي جواده، ونزل في ساحة المعركة فأذهله ان رأي جنوده يفرون ووقف يحاول عبثا جمعهم ولكن ضاع صوته في انفجارات القنابل وطلقات الرصاص، وكادت المدافع تصيبه، ولكن خادمه لوي عنان فرسه قهرا عنه فانقذ حياته، وانطلق يعدو بجواده إلي بلبيس ليحاول عبثا ان يقيم خطا ثانيا للدفاع عن القاهرة .
وفي فجر الثالث عشر من سبتمبر وقعت الهزيمة الكبرى بالجيش المصري في التل الكبير».
وفي 15 سبتمبر بلغ الإنجليز منطقة العباسية، ومنها ساروا إلى القلعة فاكمل خنفس باشا خيانته بأن سلم الانجليز مفاتيحها حيث كان بها أربعة آلاف جندي.
كافأ الخديوي الذي كان يحكم مصر وتحالف مع الإنجليز ، الخائن "محمد سلطان باشا" بعشرة آلاف فدان وعشرة آلاف جنيه ذهب، كما كافأ الخائن الثاني "سعود الطحاوي" صديق عرابي الحميم وبلدياته بألفيّ فدان وألفيّ جنيه ذهب.
أما الخائن "علي خنفس" فقد احيل إلى الاستيداع بمعاش اثنى عشر جنيها، وعاش بقية حياته محتقرا من الجميع لا يكلمه أحد من أهله أو جيرانه، وظل يطالب الإنجليز بما وعدوه إياه بدون جدوى، إلى أن مات وحيدا ومحتقرا من الجميع.
أما الخائن "أحمد عبد الغفار" فقد أودع السجن مع الضباط الوطنيين فكان عذابه بذلك أشد ما يكون.
وذهَبَتْ زوجته لكي تصرف من الجنيهات الذهبية التي أعطوها له مقدما، فاتضح أنها مزيفة.
أما عبد الرحمن حسن" فقد اختفى تماما، ولم يُعرف عنه أي شيء.
أنعم الإنجليز على الخائن الأكبر "محمد سلطان باشا" بلقب "سير"، وأصبح اسمه "السير محمد سلطان باشا"، ولكن هذا اللقب لم ينفعه، ولم تنفعه الأرض الزراعية الشاسعة، ولا آلاف الجنيهات الذهبية التي منحها له الخديوي، إذ قاطعه أهل حي السيدة زينب الذي كان يسكن فيه، حتى الخدم الذين كانوا يعملون في بيته احتقروه وتركوه وحيداً .
عاش سلطان باشا منعزلا عن الناس، واستيقظ ضميره فجأة، وأخذ يؤنبه على الجرم الفادح الذي ارتكبه في حق مصر وحق عرابي وشعر بألام نفسية لا يتحملها أحد، وأصيب بلوثة عقلية، وأخذ يمشي بين الناس ذاهلا عما حوله إلى أن مات وهو يردد جملة واحدة: "اغفر لي يا عرابي".
المرجع :- التاريخ دون تزييف أو تشويه ..